يحلّل إشفق فرحان صيام في مستهل مقاله ملامح التحول في خطاب دونالد ترامب خلال الأيام الأخيرة من الحرب، حيث كشف تصاعد نبرة الاستعجال عن رغبة واضحة في فرض وقف لإطلاق النار. عكست لغة ترامب، خاصة عبر منصاته، حالة إحباط متزايدة بسبب رفض إيران للشروط المطروحة، والتي تمحورت حول وقف القتال مؤقتًا، وبدء مفاوضات، مع إعادة فتح مضيق هرمز كجزء من الصفقة.


يعرض موقع يني شفق هذا التحليل بوصفه قراءة معمقة لتوازنات التفاوض بين الطرفين، حيث لم يكن الاتفاق مجرد تراجع إيراني، بل نتيجة مساومات معقدة لعبت فيها باكستان دور الوسيط المؤثر.


حسابات إيران بين الصمود والتنازل

 

رفضت إيران في البداية هذا الإطار التفاوضي لأسباب تتعلق بتجارب سابقة، حيث تعرّضت لهجمات أثناء فترات تفاوض. لذلك رأت أن القبول بوقف مؤقت مع فتح مضيق هرمز يعني فقدان أهم أوراق الضغط دون ضمانات حقيقية.


اشترطت طهران إنهاء كامل للهجمات، وتقديم ضمانات بعدم تكرارها، والحصول على تعويضات، إلى جانب قبول مطالبها الأوسع. لكن موافقتها لاحقًا على هدنة مؤقتة ومحادثات في إسلام آباد أعطت انطباعًا أوليًا بالتراجع.


يكشف التحليل أن هذا الانطباع مضلل. يشير إلى أن إيران لم تتراجع بقدر ما أعادت ترتيب أولوياتها. أقنعتها باكستان بأن مطالبها الأساسية لن تُهمّش، خاصة بعد إشارة البيت الأبيض إلى اعتماد مقترحها ذي النقاط العشر كأساس للتفاوض.


يعني ذلك أن طهران نجحت في فرض حضور شروطها على الطاولة، مستفيدة من قدرتها على الصمود العسكري واستخدام أوراقها الاستراتيجية بفعالية.


العقوبات والردع: جوهر الصراع

 

يركّز التحليل على أن بعض مطالب إيران تتجاوز سياق الحرب الحالية، وتمس جذور الصراع الممتد منذ 1979، وعلى رأسها قضية العقوبات. كبّلت هذه العقوبات الاقتصاد الإيراني لعقود، رغم امتلاك البلاد موارد طاقة هائلة.
يفتح المسار التفاوضي، إذا استمر بجدية، الباب أمام تخفيف هذه العقوبات، وهو ما يمثل مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا لطهران، يتجاوز المكاسب التكتيكية المؤقتة.


في الوقت نفسه، تتمسك إيران ببرنامجها الصاروخي بوصفه ركيزة ردع أساسية. أثبت هذا البرنامج خلال الحرب قدرته على فرض تكلفة عالية على الخصوم، ما دفع واشنطن إلى السعي نحو اتفاق سريع.


يعكس احتمال التفاوض وفق الرؤية الإيرانية، التي لا تتضمن قيودًا على هذا البرنامج، تحولًا مهمًا في ميزان القوى. يعني ذلك أن طهران قد تحافظ على أهم أدواتها الدفاعية دون تقديم تنازلات جوهرية.


هشاشة الاتفاق وتعقيدات المشهد الإقليمي

 

رغم إعلان الهدنة، يظل المشهد محفوفًا بالشكوك. تبدي إيران حذرًا شديدًا بسبب تجارب سابقة، وتخشى أن يكون وقف إطلاق النار مجرد استراحة تسبق تصعيدًا جديدًا.


في المقابل، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا داخلية تجعل من الصعب قبول مطالب إيرانية واسعة، إذ قد يُنظر إلى ذلك كتنازل سياسي. لذلك يبقى خطر عودة واشنطن إلى طرح شروطها القصوى قائمًا.


تضيف التطورات في لبنان بعدًا أكثر تعقيدًا. ربطت إيران موافقتها على الهدنة بوقف إطلاق النار هناك، لكن استمرار العمليات الإسرائيلية يضعها في موقف حرج أمام حلفائها، خاصة حزب الله. يهدد هذا التناقض مصداقية طهران ويزيد احتمالات انهيار الاتفاق.


يلعب عامل آخر دورًا مهمًا في كبح التصعيد، وهو إدراك ترامب أن الحرب لم تحقق انتصارًا سريعًا كما توقع. تحوّل الصراع إلى مواجهة استنزاف مكلفة، ما جعله أكثر ميلًا إلى التهدئة.


لكن يبقى الدور الإسرائيلي عنصرًا غير قابل للتنبؤ، إذ تبدو تل أبيب أقل حماسًا لخفض التصعيد، ما يضيف طبقة جديدة من الغموض.

 

خلاصة المشهد

 

يكشف الاتفاق الحالي عن توازن هش بين طرفين يسعيان إلى إعلان النصر دون حسم حقيقي. لا يعكس وقف إطلاق النار نهاية للصراع بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية في مواجهة أطول.


تتحرك إيران وفق حسابات دقيقة تسعى من خلالها إلى تحويل صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية، بينما تحاول الولايات المتحدة احتواء الأزمة دون الظهور بمظهر المتراجع.


يبقى السؤال مفتوحًا: هل يقود هذا المسار إلى تسوية حقيقية، أم أنه مجرد هدنة تكتيكية في صراع لم يقل كلمته الأخيرة بعد؟

 

https://en.yenisafak.com/world/opinion-beyond-the-ceasefire-what-the-usiran-deal-really-means-3716940